محمد أبو زهرة
3850
زهرة التفاسير
الأمر الثالث : تأكيد صدقهم ، وكل هذا من انفعال نفوسهم بالحقد الدفين على يوسف وأخيه . ذهبوا إلى أبيهم ، وقالوا تلك الكلمات التي تنبئ عن حقدهم ، ولذا لم يصدقهم الأب الشفيق ، ورد كلامهم قائلا : قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) رد عليهم في أمر أخي يوسف ، كما رد عليهم في أمر يوسف ، و بَلْ هنا للإضراب برد كلامهم ، وعدم تصديقه ، و سَوَّلَتْ : معناها حسّنت لكم أنفسكم أمر سوء ، وإذا كان ذلك حقا في أمر يوسف فهو ظن في هذا الموضوع سوغه له ماضيهم مع أخيه ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، أي فأمرى ، أو فصبرى لا أنين فيه ولا شكوى لأحد من الناس . ولكن الرجاء في رحمة اللّه سابق إليه دائما ، ولذا قال : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ، أي بيوسف وأخيه ، ولعله قد انضم إليهم أخوهم الأكبر الذي لم يشترك في تفريطهم في يوسف ولامهم بعد عودته ، وكان غائبا وقد أكد رجاءه بأن يأتوا إليه مجتمعين غير متفرقين . وختم اللّه سبحانه وتعالى الآية الكريمة ، بما يقوى رجاءه إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الضمير يعود إلى اللّه تعالى الحاضر في الألسن المؤمنة دائما ، العليم الذي يعلم كل شئ ، لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، الحكيم الذي يدبر الأمور بحكمته وعلى مقتضى علمه الواسع . الأب الحزين الذي ابيضت عيناه من الحزن قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 )